الشيخ جوادي الآملي

18

أسرار الصلاة

ولمّا لم يلزم أن يكون البدل كالمبدل كمّا وكيفا لم يلزم في التيمّم مسح الرأس ، كما لم يلزم مسح الرجل أصلا ، لا لأنّ وضع التراب على الرأس من علامة الفراق ، والمقصود بالصلاة : الوصلة والوفاق كما أفاده بعض الأعاظم « 1 » رحمهم الله ؛ لانتقاضه بالرجل ، حيث إنّ وضع التراب عليه ليس علامة للفراق ، ولم يكلَّف في التيمّم ، مع أنّ أصل المقال غير خال عن الخيال ؛ لعدم الدليل العقليّ أو النقليّ المعتبر على كون وضع التراب على الرأس أمارة للفراق . ولمّا اعتبر في الصلاة الجمع بين طهارة الظاهر ونزاهة الضمير حكم بأنّه لا تجوز الصلاة حتّى يطهر خمس بالماء ، والقلب بالتوبة « 2 » ، والمراد من التوبة : هو الرجوع إلى الطاعة من المعصية ، والى التولَّي من التبرّئ ، والى الحقّ في ما سواه ، والى الوحدة من الكثرة و . وممّا تقدّم يمكن لك كشف سرّ لزوم الطهارة عن الخبث ، وإزالة النجاسة عن البدن والثوب والمسجد ونحو ذلك ، وهكذا سرّ لزوم حلَّيّة اللباس والمكان عن تعلَّق حقّ الغير ، إذ المخاطب بتأدية حقّ الغير مشغول الهمّ ، وليس بفارغ البال حتّى يتكلَّم ويناجي ربّه ، فضلا عن أن يناجيه ربّه . كما أنّ بالتأمّل فيما مضى يمكن استكشاف سرّ الوقت واستقبال القبلة ، وأنّ المعبود لا صباح عنده ولا مساء له ، ولذا صلَّى رسول الله - صلَّى الله عليه وآله - صلاة الظهر في المعراج ، مع أنّه كان في الليل ؛ لأنّه عقيب الإسراء الذي كان في بضعة من الليل ، كما قال تعالى * ( « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَه ُ » ) * « 3 » . كما أنّ المعبود سبحانه أيضا لا اختصاص له بجهة دون جهة ، كما قال تعالى * ( « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ ا للهِ » ) * « 4 » .

--> « 1 » هو القاضي سعيد القمّي - رحمه اللَّه - في أسرار العبادات ص 21 طبع الجامعة . « 2 » جامع أحاديث الشيعة : ج 5 ص 26 . « 3 » الإسراء : 1 . « 4 » البقرة : 115 .